الشيخ عبد الغني النابلسي
286
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الصورية الكاملة الإنسانية وبه ، أي بالوهم والحكم به في الاعتقاد جاءت الشرائع المنزلة من اللّه تعالى فشبهت ، أي الشرائع الحق تعالى ونزهت أيضا الحق تعالى ليعرف سبحانه ظاهرا وباطنا وأوّلا وآخرا فشبهت الحق سبحانه في حال التنزيه له لحكمها بالوهم في الصور ونزهت أيضا الحق تعالى في حال التشبيه له لحكمها بالعقل في العجز عنه فارتبط الكل ، أي جميع صور التشبيه المحسوسة والمعقولة والموهومة بالكل ، أي جميع مراتب التنزيه . فلا يمكن أن يخلو تنزيه للحق تعالى عن تشبيه أصلا ، فإن المنزه للحق تعالى لا بد أن يتصوّر الحق تعالى في خياله وقت الحكم عليه بالتنزيه عن كل ما لا يليق به من كل ما سواه ، فإن الحكم فرع التصوّر لأنه لا يمكن الحكم على شيء بأمر من الأمور إلا بعد تصوّره في الذهن ، وإلا لم يكن حكم أصلا ، وهو بديهي عند العقلاء فقد لزم من التنزيه التشبيه في كل ما وجد تنزيه ولا يمكن أن يخلو أيضا تشبيه للحق تعالى بشيء من الصور عن تنزيه أصلا فإن من شبهه سبحانه بصورة حسية أو عقلية حكم بأنه لا يشبه كل ما عداها من الصور وهو التنزيه للحق تعالى . قال اللّه تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ سبحانه شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] بإثبات المثل له فنزّه مثله تعالى عن مشابهة كل شيء بكاف التشبيه المنفية بليس فلزم من ذلك تنزيه نفسه بالأولى وشبّه نفسه تعالى بإثبات المثل له وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، أي لا سميع ولا بصير غيره تعالى ، فإن تعريف الطرفين يفيد الحصر كقوله تعالى : هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ غافر : 65 ] فشبه سبحانه نفسه بإثبات صورة كل سميع بصير أنه صورته كما ورد في الحديث : « كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به » « 1 » وهي ، أي هذه الآية أعظم آية في القرآن نزلت في التنزيه الإلهي ومع ذلك ، أي كونها نزلت في التنزيه لم تخل عن تشبيه للّه تعالى بالكاف أي بسببها لأنه يلزم منها ثبوت المثل له تعالى وهو تشبيه ، فلو لم تكن الكاف لانتفى المثل بالكلية والأصل عدم الزيادة في الكاف وفي المثل ، فالتقرير على أصلية كل واحد منهما وهو الأليق ببلاغة القرآن العظيم . وهو ، أي اللّه تعالى الذي أنزل هذه الآية أعلم العلماء بنفسه سبحانه ومع ذلك ما عبر تعالى عن نفسه إلا بما ذكرناه من الآية المذكورة ثم قال اللّه تعالى أيضا عن نفسه سبحان ربك والخطاب لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، أي سبح ربك ونزهه
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .